فصل: تفسير الآية رقم (47):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (46):

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)}
قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} يعني كفار مكة فيشاهدوا هذه القرى فيتعظوا، ويحذروا عقاب الله أن ينزل بهم كما نزل بمن قبلهم. {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها} أضاف العقل إلى القلب لأنه محله كما أن السمع محله الاذن. وقد قيل: إن العقل محله الدماغ، وروى عن أبى حنيفة، وما أراها عنه صحيحة. {فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ} قال الفراء: الهاء عماد، ويجوز أن يقال فإنه، وهى قراءة؟؟ عبد الله بن مسعود، والمعنى واحد، التذكير على الخبر، والتأنيث على الأبصار أو القصة، أي فإن الأبصار لا تعمى، أو فإن القصة. {لا تَعْمَى الْأَبْصارُ} أي أبصار العيون ثابتة لهم. {وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} أي عن درك الحق والاعتبار.
وقال قتادة: البصر الناظر جعل بلغة ومنفعة، والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: لكل عين أربع أعين، يعني لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضره عماه شيئا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئا.
وقال قتادة وابن جبير: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى. قال ابن عباس ومقاتل: لما نزل: {ومن كان في هذه أعمى} [الاسراء: 72] قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، فأنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت: {فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. أي من كان في هذه أعمى بقلبه عن الإسلام فهو في الآخرة في النار.

.تفسير الآية رقم (47):

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)}
قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ} نزلت في النضر بن الحارث، وهو قوله: {فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ 70} [الأعراف: 70].
وقيل: نزلت في أبى جهل بن هشام، وهو قوله: {اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} [الأنفال: 32]. {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} أي في إنزال العذاب. قال الزجاج: استعجلوا العذاب فأعلمهم الله أنه لا يفوته شي، وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر.
قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} قال ابن عباس ومجاهد: يعني من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. عكرمة: يعني من أيام الآخرة، أعلمهم الله إذ استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة أنه يأتيهم به في أيام طويلة. قال الفراء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة، أي يوم من الأيام عذابهم في الآخرة ألف سنة.
وقيل: المعنى وإن يوما في الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سنى الدنيا فيها خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياسا. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: {مما يعدون} بالياء المثناة تحت، واختاره أبو عبيد لقوله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ}. والباقون بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم.

.تفسير الآية رقم (48):

{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)}
قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها} أي أمهلتها مع عتوها. {ثُمَّ أَخَذْتُها} أي بالعذاب. {وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ}.

.تفسير الآيات (49- 51):

{قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51)}
قوله تعالى: {قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ} يعني أهل مكة. {إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ} أي منذر مخوف. وقد تقدم في البقرة الإنذار في أولها. {مُبِينٌ} أي أبين لكم ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} 50 يعني الجنة. {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا} أي في إبطال آياتنا. {مُعاجِزِينَ} أي مغالبين مشاقين، قاله ابن عباس. الفراء: معاندين.
وقال عبد الله بن الزبير: مثبطين عن الإسلام. وقال الأخفش: معاندين مسابقين. الزجاج: أي ظانين أنهم يعجزوننا لأنهم ظنوا أن لا بعث، وظنوا أن الله لا يقدر عليهم، وقاله قتادة. وكذلك معنى قراءة ابن كثير وأبى عمرو {معجزين} بلا ألف مشددا. ويجوز أن يكون معناه أنهم يعجزون المؤمنين في الايمان بالنبي عليه السلام وبالآيات، قاله السدى.
وقيل: أي ينسبون من اتبع محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. {أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ} 10.

.تفسير الآية رقم (52):

{وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {تَمَنَّى} أي قرأ وتلا. و{أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي قراءته وتلاوته. وقد تقدم في البقرة. قال ابن عطية: وجاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى ولا محدث} ذكره مسلمة بن القاسم بن عبد الله، ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس. قال مسلمة: فوجدنا المحدثين معتصمين بالنبوة- على قراءة ابن عباس- لأنهم تكلموا بأمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما تكلموا وعصموا فيما نطقوا، كعمر بن الخطاب في قصة سارية، وما تكلم به من البراهين العالية.
قلت: وقد ذكر هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد له، وقد حدثني أبى رحمه الله حدثنا علي بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى ولا محدث} قال أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن. والمحدث هو الذي يوحى إليه في نومه، لان رؤيا الأنبياء وحى.
الثانية: قال العلماء: إن هذه الآية مشكلة من جهتين: إحداهما- أن قوما يرون أن الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم مرسلون وفيهم غير مرسلين. وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال نبى حتى يكون مرسلا. والدليل على صحة هذا قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} فأوجب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرسالة. وأن معنى {نَبِيٍّ} أنبأ عن الله عز وجل، ومعنى أنبأ عن الله عز وجل الإرسال بعينه.
وقال الفراء: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل عليه السلام إليه عيانا، والنبي الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما، فكل رسول نبى وليس كل نبى رسولا. قال المهدوي: وهذا هو الصحيح، أن أكل رسول نبى وليس كل نبى رسولا. وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب الشفا قال: والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبى وليس كل نبى رسولا، واحتج بحديث أبى ذر، وأن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم وآخرهم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والجهة الأخرى التي فيها الاشكال وهى: الثالثة: الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، وليس منها شيء يصح. وكان مما تموه به الكفار على عوامهم قولهم: حق الأنبياء ألا يعجزوا عن شي، فلم لا يأتينا محمد بالعذاب وقد بالغنا في عداوته؟ وكانوا يقولون أيضا: ينبغي ألا يجرى عليهم سهو وغلط، فبين الرب سبحانه أنهم بشر، والآتي بالعذاب هو الله تعالى على ما يريد، ويجوز على البشر السهو والنسيان والغلط إلى أن يحكم الله آياته وينسخ حيل الشيطان. روى الليث عن يونس عن الزهري عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: {وَالنَّجْمِ إِذا هَوى} فلما بلغ {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى} سها فقال: «إن شفاعتهم ترتجى» فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا، فقال: «إن ذلك من الشيطان» فأنزل الله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} الآية. قال النحاس: وهذا حديث منقطع وفية هذا الامر العظيم. وكذا حديث قتادة وزاد فيه: «وإنهن لهن الغرانيق العلا». وأفظع من هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال: سجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ ترابا من الأرض فرفعه إلى جبهته وسجد عليه، وكان شيخا كبيرا. ويقال: إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص، حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال له: «ما جئتك به»! وأنزل الله: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا} [الاسراء: 74]. قال النحاس: وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما من حديث الواقدي. وفى البخاري أن الذي أخذ قبضة من تراب ورفعها إلى جبهته هو أمية بن خلف. وسيأتي تمام كلام النحاس على الحديث- إن شاء الله- آخر الباب. قال ابن عطية: وهذا الحديث الذي فيه هي الغرانيق العلا وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره في علمي مصنف مشهور، بل يقتضى مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره. ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة. ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلم بتلك الألفاظ على لسانه. وحدثني أبى رضي الله عنه أنه لقى بالشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو المعصوم في التبليغ، وإنما الامر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى} وقرب صوته من صوت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى التبس الامر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها. وقد روى نحو هذا التأويل عن الامام أبى المعالي.
وقيل: الذي ألقى شيطان الانس، كقوله عز وجل: {وَالْغَوْا فِيهِ} [فصلت: 26]. قتادة: هو ما تلاه ناعسا.
وقال القاضي عياض في كتاب الشفا بعد أن ذكر الدليل على صدق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن الامة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الاخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا أو غلطا: اعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما- في توهين أصله، والثاني على تسليمه. أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند صحيح سليم متصل ثقة، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإسناد متصل يجوز ذكره، إلا ما رواه شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب، والشك في الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بمكة... وذكر القصة. ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير. وإنما يعرف عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس، فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفية من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه الذي ذكرناه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه، كما أشار إليه البزار رحمه الله. والذي منه في الصحيح: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ: {والنجم} بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس، هذا توهينه من طريق النقل. وأما المأخذ الثاني فهو مبنى على تسليم الحديث لو صح. وقد أعاذنا الله من صحته، ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة، منها الغث والسمين. والذي يظهر ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكيا نغمة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأشاعوها.
ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه، فيكون ما روى من حزن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة، وقد قال الله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ} الآية. قلت: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا. وقد قال سليمان بن حرب: إن {فِي 10} بمعنى عنده، أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كقوله عز وجل: {وَلَبِثْتَ فِينا} [الشعراء: 18] أي عندنا. وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي، وقال قبله: إن هذه الآية نص في غرضنا، دليل على صحة مذهبنا أصل في براءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما ينسب إليه أنه قاله، وذلك أن الله تعالى قال: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} أي في تلاوته. فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي. تقول: ألقيت في الدار كذا، وألقيت في الكيس كذا، فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قاله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكلم به. ثم ذكر معنى كلام عياض إلى أن قال: وما هدى لهذا إلا الطبري لجلالة قدره وصفاء فكره وسعة باعه في العلم، وشدة ساعده في النظر، وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصوب على هذا المرمي، وقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطل لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها، ولكنه فعال لما يريد. وأما غيره من التأويلات مما حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو محال، إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار، قال الله تعالى مخبرا عنه: {وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22]، ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقي لأحد من بنى آدم قوة في طاعة، ومن توهم أن للشيطان هذه القوة فهو قول الثنوية والمجوس في أن الخير من الله والشر من الشيطان. ومن قال جرى ذلك على لسانه سهوا قال: لا يبعد أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على حفظه فجرى عند قراءة السورة ما كان في حفظه سهوا، وعلى هذا يجوز السهو عليهم ولا يقرون عليه، وأنزل الله عز وجل هذه الآية تمهيدا لعذره وتسلية له، لئلا يقال: إنه رجع عن بعض قراءته، وبين أن مثل هذا جرى على الأنبياء سهوا، والسهو إنما ينتفي عن الله تعالى، وقد قال ابن عباس: إن شيطانا يقال له الأبيض كان قد أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صورة جبريل عليه السلام وألقى في قراءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لترتجي. وهذا التأويل وإن كان أشبه مما قبله فالتأويل الأول عليه المعول، فلا يعدل عنه إلى غيره لاختيار العلماء المحققين إياه، وضعف الحديث مغن عن كل تأويل، والحمد لله. ومما يدل على ضعفه أيضا وتوهينه من الكتاب قوله تعالى: {وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الاسراء: 73] الآيتين، فإنهما تردان الخبر الذي رووه، لان الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفترى، وأنه لولا أن ثبته لكان يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفترى وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا، وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال عليه الصلاة والسلام: افتريت على الله وقلت ما لم يقل. وهذا ضد مفهوم الآية، وهى تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له. وهذا مثل قوله تعالى: {وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} [النساء: 113]. قال القشيري: ولقد طالبته قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه بالايمان به إن فعل ذلك، فما فعل! ولا كان ليفعل! قال ابن الأنباري: ما قارب الرسول ولا ركن.
وقال الزجاج: أي كادوا، ودخلت إن واللام للتأكيد. وقد قيل: إن معنى {تَمَنَّى} حدث، لا {تلا}. روى عن علي بن أبى طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل: {إِلَّا إِذا تَمَنَّى} قال: إلا إذا حدث {أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} قال: في حديثه {فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ} قال: فيبطل الله ما يلقى الشيطان. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله. وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل بمصر صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبى طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا. والمعنى عليه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا حدث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون، ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. وحكى الكسائي والفراء جميعا: {تَمَنَّى} إذا حدث نفسه، وهذا هو المعروف في اللغة. وحكيا أيضا {تَمَنَّى} إذا تلا.
وروى عن ابن عباس أيضا وقاله مجاهد والضحاك وغيرهما.
وقال أبو الحسن ابن مهدى: ليس هذا التمني من القرآن والوحى في شي، وإنما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صفرت يداه من المال، وراي ما بأصحابه من سوء الحال، تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان. وذكر المهدوي عن ابن عباس أن المعنى: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، وهو اختيار الطبري. قلت: قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً} الآية، يرد حديث النفس، وقد قال ابن عطية: لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة، فالله أعلم. قال النحاس: ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان المعنى فيه صحيحا، ويكون معنى سها أسقط، ويكون تقديره: أفرأيتم اللات والعزى، وتم الكلام، ثم أسقط «والغرانيق العلا» يعني الملائكة «فإن شفاعتهم» يعود الضمير على الملائكة. وأما من روى: فإنهن الغرانيق العلا، ففي روايته أجوبة، منها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون توبيخا، لان قبله {أفرأيتم} ويكون هذا احتجاجا عليهم، فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة. وقد روى في هذه القصة أنه كان مما يقرأ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. والغرانقة العلا. وأن شفاعتهن لترتجي. روى معناه عن مجاهد.
وقال الحسن: أراد بالغرانيق العلا الملائكة، وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة. وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون أن الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى الله تعالى عنهم، ورد عليهم في هذه السورة بقوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى} فأنكر الله كل هذا من قولهم. ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح، فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ولبس عليهم الشيطان بذلك، نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للتلبيس، كما نسخ كثير من القرآن، ورفعت تلاوته. قال القشيري: وهذا غير سديد، لقوله: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ} أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة. {والله عليم حكيم} {عَلِيمٌ} بما أوحى إلى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {حَكِيمٌ} في خلقه.